الجمعة، 13 فبراير، 2009

خـيـال سـيـاسـي




مـشـهـد مــُـتـخـيـّـل أوّل :

بـعـد خـمـسـمـائـة عـام مـن الاّن , يـجـلـس الـمـفـتـي الـعـام

لـلـمـسـلـمـيـن و بـجـانـبـه بـابـا الـفـاتـيـكـان و الـراهـب

الـبـوذي الأكـبـر , و سـيـوقــّـع الـثـلاثـة و يـبـصـمـون

عـلـى أن الـمـحـرقـة الـيـهـوديــّـة عـلـى أيـدي الـنـازيـيـن

قـد حـصـلـت , و سـيـتـبـرّع كـلّ مـنـهـم بـمـا تـجـود بـه

نـفـسـه و سـمـاحـتـه , بـزيـادة عـدد الـضـحـايـا , كـلّ كـمـا

يـراه مـنـاسـبـاً , فالـمـفـتـي سـيـقـول أنــّـه قـرأ حـديـثـاً حكومياً

عـربـيـاً ثـبـتـت صـحـتــّه بـالإجـمـاع , أن الضحايا كـانـوا سـتـة

مـلايـيـن و نـصـف , بـيـنـمـا سـيـقـرّ الـبـابـا بـأنّ الـفـاتـيـكـان

عـثـر عـلـى وثـيـقـة قـديـمـة فـي إحـدى الأقـبـيـة , تـفـيـد أنّ

الـعـدد تـجـاوز الـسـبـعـة مـلايـيـن , والـراهـب الـبـوذي سـيـطـلـب

مـن الـيـهـودي الـجـالـس عـلـى كـرسـيّ الـقـاضـي أن يـضـع

الـعـدد الـذي يـراه مـنـاسـبـاً , و هـو سـيـوقــّـع عـلـيـه .

و سـيـقــدّم الـثـلاثـة اعـتـذاراتـهـم بـاسـمـهـم وبـاسـم مـن يـمـثــّلون

وسـيـوّقـعـون عـلـى وثـيـقـة تـفـيـد بـضـرورة أن تـدفـع الـبـشـريــّة

جـمـعـاء ثـمـن تـلـك الـمـحـرقـة , حـتـى نـهـايـة الـزمـان .

تـنـويـه : الـرئـيـس الـخـالـد حـسـنـي مـبـارك سـيـكـون حـاضـراً

هـذه الـجـلـسـة بـصـفـتــّـه شـاهـداً عـلـى كـلّ الـعـصـور و الأزمـان

و سـيـدعـو الـجـمـيـع إلـى عـشـاء عـلـى سـفـح الـهـرم الـجـديـد

الـذي بـنـاه الـشـعـب الـمـصـري عـلـى مـدى مـائـتـي عـام بـاسـم

الـرئـيـس الـخـالـد , و الـذي ســُـمــّـي ( هـرم عـوكـل ) .

ــ فـي الـغـرفـة الأخـرى : و فـي نـفـس الـتـاريـخ بـعـد خـمـسـمـائـة

عـام , سـيـكـون الـشـعـب الـلـبـنـانـي بـأكـمـلـه جـالـس فـي قـاعـة

محكمة صـغـيـرة , أمـام قـاضـي مـن أحـفـاد ثـوّار الأرز 14 اّذار

و سـتـتـم مـحـاكـمـة هـذا الـشـعـب بـتـهـمـة رفـضـهـم تـقـديـم لـبـنـان

كـذبـيـحـة إلـهـيـة و كـأضـحـيـة دائـمـة فـي ذكـرى مـقـتـل الـحـريـري .

وسـيُـحـكـم عـلـى الشعب الـلـبـنـانـي بالإسـتـمـاع حـتـى الـمـوت

لإسـطـوانـة ( الـحـقـيـقـة لأجـل لـبـنـان ) مـضـاف إلـيـهـا مـقـاطـع

مـن خـطـاب ألـقـاه سـعـد الـحـريـري قـبـل خمسمئة و ثـلاثـة أعـوام

أي عـام 2006 .

يــُـسـتـثـنـى مـن هـذه الـمـحـاكـمـة , كـلّ مـن ثـبـت ولاءه لـثـورة

الأرز الـمـجـيـدة , و هـؤلاء سـيـُـشـكـّـلـون نــواة لـبـنـان الـجـديـد

الـسـيــّـد الـحـرّ الـحـريـري الـمـسـتـقـلّ .

تــنــويــه : ولـيـد بـك جـنـبـلاط الـحـيّ و إلـى جـانـبـه نـايـلـة

مـعـوّض ( الـحـيـّـة ) سـيـحـضـران الـمـحـاكـمـة كـمـراقـبـَـيـن

سـيـعــلــّـق ولـيـد بجملة واحـدة : ( لبنان إلى أيـن ؟؟ )

بـيـنـمـا نـايـلـة سـتـلـتـفـت إلـى الـشـعـب الـلـبـنـانـي بـعـد قـراءة

الـحـكـم عـلـيـهـم و سـتـقـول لـهـم : ( فـاجـئـنـاكـم مـوو ؟ ) .



ـــ أنـبـاء واردة مـن الـمـرّيـخ تـفـيـد بـوجـود مـواطـن مـرّيـخـي

مـن أصـول لـبـنـانـيـة , و حـفـيـد سـعـد الـحـريـري يـُـرسـل لـه

مـخـتـار قـريـطـم لإعـادة تـجـنـيـسـه و جـلـبـه أثـنـاء الإنـتـخـابـات

إلـى لـبـنـان بـمـركـبـة فـضـائـيـة عـلـى حـسـاب الـحـريـري , شـرط

أن يــُـقـسـم الـمـرّيخي أن يـضع لائـحة الـحريـري الإنـتـخابية ( زي مـاهـيّـي )

رغـم أن لـبـنـان لـم يـعـد فـيـه أحـد سـوى الحريريون بـعـد حـكـم المحكمة

الـوارد أعـلاه .. لـكـن الـحريـري يــُـوضـح بـأن الأمـر يـتـعـلـّق بالـمحـافظة

عـلـى الإرث الـسـيـاسـي الـمـقـدّس .


. * * * * * *

مـشـهـد اّخـر مـُـتـخـيـّـل , فـي نـفـس الـزمـان و الـمـكـان :

ــ الـحـاخـام الـيـهـودي الأكـبـر يـعـتـذر لـلـبـشـريـة جـمـعــاء

عـن الـمـحـارق الـتـي قـامـت بـهـا الـصـهـيـونـيـة بـحـقـّـهـم ويطلب

الـغـفـران عـلـى كـلّ الـجـرائم الـتـي ارتـكـبـهـا الـصـهـايـنـة , و يـقـرّ

بـضـرورة دفـع تـعـويـضـات لـكـل الـشـعـوب الـتـي تـضـررت مـن

هـذه الـمـحـارق و الـمـذابـح . و يـتـعـهــّد بـعـدم سـلـب أي أراضٍ

جـديـدة فـي أيّ مـكـان مـن الـعـالـم و عـدم إقـدام الـصـهـايـنـة عـلـى

أي مـحـرقـة جـديـدة , كـمـا يـوقــّـع عـلـى وثـيـقـة تــُـجــرّم الإنـتـساب

لـلـصـهـيـونـيـة , و يـعـتـرف بـأنّ ســام ابـن نــوح لـم يـتـرك وراءه

ذريــّــة مـطـلـقــاً , لأنّ الـرجـل لـم يـكـن راغـبـاً بالـزواج . و أن تــُـطوى

صـفـحـة الأخ سـام إلـى الأبـد .

ــ فـي الـغـرفـة الأخـرى :

مـمـثـلـون مـنـتـخـبـون عـن الـشـعـب الـلـبـنـانـي بـطـريـقـة غـيـر

طـائـفـيـة ( بـعـد أن تـمّ تـجـريـم الـعـمـل الـطـائفي السياسي

و الإجتماعي ) يـجـتـمـعـون و يـقـرّون بـإسـقـاط صـفـة الـشـهـادة

عـن كـلّ الـزعـمـاء الـطـائـفـيـين و الـمـيـلـيـشـيـاويـيـن و كـلّ

الـتـجـار الـذي قــُـتـلـوا عـلى الأرض الـلـبـنـانـيـة فـي تـصـفـيـة

حـسـابـات تـجـاريـة سـيـاسـيـة .

و إعـادة الإعـتـبـار لـكـل شـهـداء لـبـنـان الحقيقيين مـن الـفـقـراء

و أفـراد الـجـيـش و الـمـقـاومـيـن للإحـتـلال , و أيـضـاً الـذيـن

سـقـطـوا شـهـداء أثـنـاء الإطـلاقـات الـنـاريــّـة الإحـتـفـالـيــّـة

الــتـي كـانـت تـجـري أبـتـهـاجـاً بـخـطـابـات سـعـد و السنيورة

قـبـل قـرون مـن الـزمـن , و تـغـيـيـر اسـم الـمـطـار الـدولـي

و تـسـمـيـتـه بـاسـم أحـد هـؤلاء الـشـهـداء الـفـقـراء تـخـليداً

لـذكـراهـم .


* * * * *

خـلاصـة :

كـيـف يـتـعـرّض الـنـاس للأذى الـمـسـتـمـر مـن شـخـص مـا

فـي حـيـاتـه و بـعـد مـمـاتـه :

حـكـى لـي أحـد أصـدقـاء والـدي , أنــّـه و فـي زمـان الإحـتـلال

الـفـرنـسـي لـسـوريـا و لـبـنـان , كـان هـنـاك مـخـتـاراً لإحـدى

الــقـرى عــيــّـنـه الـفـرنـسـيـّـون لأنـه انـتـهـازي و وصـولـي

و لـم يـتـرك هـذا الـمـخـتـار , شـخـصـاً واحـداً مـن أهـل قـريـتـه

إلاّ و تـسـبـّـب لـه بـدخـول الـسـجـن أو الأذى , بـسـبـب الإفـتـراءات

و الـتـقـاريـر الـتـي كـان يـكـتـبـهـا لـلـفـرنـسـيـيـن بـحـقّ أهـل القرية

نـسـاء و رجـالاً و أطـفـالاً , و أصـبـح اسـم المختار يــُـنـزل الـرعـب

فـي قـلـوب الـنـاس لـشدّة أذيـّــتــه لـهـم .

و بـعـد سـنـوات , مـرض الـمـخـتـار مـرضـاً شـديـداً و لـزم الـفـراش

و أحـسّ بـدنـو أجـلـه , و أخـبـره طبيب الوحدة الفرنسية أنـه لـن

يـنـجـو مـن هـذا الـمـرض و أنّ أيـامـه مـعـدودة , فـأرسـل المختار

فـي طـلـب أهـل قـريـتـه لـيـجـتـمـعـوا أمـام بـيـتـه , و أخـبـرهـم

بـأنــّـه نـادم جـداً عـلـى أذيـتـهـم و أنـه يـدرك أن أحـداً مـنـهـم لـم

يـسـلـــم مـن شـرّه , لـذلـك يـجـب عـلـيـهـم تـنـفـيـذ وصـيـّـتـه بـعـد

مـوتـه , تـكـفـيـراً عـن ذنــوبـه فـي حـقــّـهـم , و أصــرّ عـلـيـهـم

و جـعـلـهـم يقسمون عـلـى تـنـفـيـذ الـوصـيـّة التي تـقـول بـأنّ

عـلـى أهـل الـقـريـة بـعـد أن يـمـوت الـمـخـتـار أن يـجـرّوا

جـثـتـه فـي دروب الـقـريـة كـلـهـا و أن يـدوروا بـهـا عـلـى

كـل الـبـيـوت و هـم يـجـرّونـهـا عـلـى الأرض . كـي يــُـشـفـق

عـلـيـه أهـل الـقـريـة و يـنـال غـفـرانـهـم .

و مـات الـرجـل بـعـد أيــّـام , و انـقـسـم الـنـاس عـلـى بـعـضـهـم .

رجـال الـديـن قـالـوا أنّ هـذا حـرام و لا يـجـوز , و الـنـاس الاّخـريـن

قـالـوا بـأنّ وصـيــّة الـمـتـوفــّـي مـقـدّسـة و يـجـب تـنـفـيـذهـا .

و غـلـب هـذا الـرأي و بـدأوا بـجـرّ الـجـثــّـة , و مـا أن ابـتـعـدوا

لأمـتـار قـلـيـلـة حـتـى راّهـم الـدرك الـفـرنـسـي كـمـا كـان يـتـوقـــّع

الـمـخـتـار الـراحـل .

و جـاءت قـوة فـرنـسـيـة عـلـى الـفـور و أخـذتـهـم جـمـيـعـاً

إلـى الـسـجـن بـتـهـمـة الـتـمـثـيـل بـجـثــّـة مـوظــف فـي

الـحـكـومـة الـفـرنـسـيــّـة يـرتـقـي إلـى صـفـة الشهيد نـظـراً

لـلـخـدمـات الـجـلـيـلـة الـتـي قــدّمـهـا لـحـكـومـة ( الإنـتـداب ) .

و هـكـذا انـتـقـم الـمـخـتـار مـن أهـل قـريـتـه حـيــّـاً و مـيـّـتـاً .

ــ هـذا الأمـر يـنـطـبـق عـلـى الـكـثـيـر مـن الـمـوتـى الـمـُـشـار

إلـيـهـم تـلـمـيـحـاً أو تـصـريـحـاً .. فـي الـمـشـاهـد الـسابقة

أعــلاه .





جــو غـانـم

11