الأربعاء، 29 أكتوبر 2008

مـزامـيـر حـنــّـا الـســكران 5

يـقـف حـنــّـا عـلـى قـارعـة عـقـلـه .. عـلـى أقـرب نـاصـيـة ٍ

لـطـريـق الـشـعـب .. حـامـلاً بـيـده سـنـدويـشـة فـلافـل .

يـقـضـم مـنـهـا بـطـريـقـة سـلـسـة و مدروسة . فـي مـحـاولـة

مـنـه لـتـقـلـيـد الإسـتـعـمـار الـحـديـث فـي طـريـقـتـه بـقـضـم

أراضـي و ثـروات و عـقـول الـشـعـوب .. هـذه ( الـسـنـدويشة )

هـي اّخـر ثـروات حـنــّـا الـمـقـضـومـة و غـيـر الـمـقـضـومـة .

يـنـظـر حـنـّـا إلـى الـشـعـب ( الـسـارح ) فـي الـشـوارع عـلـى

غـيـر هـدىً .. كـم يـتـمـنـّـى فـي هـذه الـلـحـظـة لـو كـان مـلـكـاً

مـتـوّجـاً عـلـى هـذا الـشـعـب .. و مـا الـغـرابـة فـي ذلـك ؟

و هـل هـؤلاء الـمـلـوك و الـسـلاطيـن أفـضـل مـن حـنــّـا ؟؟

عـلـى الأقـلّ حـنـّـا يـعـرف كـيـف يـفـكّ الـخـطّ . و كـيـف يـفـكّ

أزرار بـنـطـلـونـه حـيـن يـقـتـضـي الأمـر .. و بـالـتـأكـيـد

يـعـرف أو سـيـعـرف بـسـهـولـة كـيـف يـفـكّ رقـبـة أيّ مـعـارض

تــُـسـوّل لـه نـفـسـه انـتـقـاد حـنـّا أو الـتـعـرّض لـمـقـامـه الـسامي .

يـمـضـي حـنــّـا بـعـيـداً فـي خـيـالـه حـتـى لـيـكـاد يـظـنّ أنـه

أصـبـح قـاب لـقـمـتـيـن أو أدنـى مـن كـرسـي الـعـرش .. فـتـتـّسع

عـيـنـاه أكـثـر و هـو يـنـتـقـل بـنـظـره عـلـى أفـراد الـشـعـب و قـبـل

أن يـصـرخ حـنــّـا : ( يـا أيـهـا الـشـعـب الـعـظـيـم ) . يـقـف بـائـع

( الـبـلـيـلـة ) عـنـد قـدمـيّ حـنــّـا و يـصـرخ بــصـوت و لا صـوت

وديــــع الــصــافـــي :

ــ بـلـيـلــــــــــــة ..

و يـمـدّ اللام حـتـى يـكـاد يـصـل بـهـا إلـى حـدود خـطّ الإسـتـواء .

و حـتـى يـكـاد حـنــّـا يـسـقـط أرضـاً إثـر إنـفـجـار طـبـلـة أذنـه .

ــ هـذا الـرجـل لا يـمـكـن أن يـكـون مـن شـعـب ٍ عـظـيـم ..

يـخـلـص حـنــّـا إلـى هـذه الـنـتـيـجـة و يـقـرر تـأجـيـل خـطـبـتـه

إلـى وقـت لاحـق .

يـعـتـقـد حـنــّـا أنـّه خـطـيـب مـفـوّه و أنّ لـكـلـمـاتـه رنـيـنٌ

و أثـر في عقـول الـسـامعـين وأنّ ( قـسّ بـن ساعـدة الإيـادي)*

سيبدو تـلـمـيـذاً فـي الـخـطـابـة بـحـضـرة حـنــّـا .. وأنــّـه قـادر

عـلـى ( فــَــتــل ) عـقـول شـعـبـه بـخـطـبـة واحـدة .

لـكـن أيّ خـطـبـة و أيّ كـلام قـد يـفـتـل رأس بـائـع الـبـلـيـلـة

هـذا ؟ يـتـسـائـل حـنـا .. و الله لو قـام " بـركـلـيـس "* مـن

قـبـره لـمـا اسـتـطـاع أن يـلـفـت انـتـبـاه هـذا الـبـائـع أو حـتـى

أن يـفـتـل نـظـره عـن طـبـق الـبـلـيـلـة الـذي أمـامـه .

ــ هـذا هـو شـعـبـك .. هـؤلاء الـفـقـراء و الـمـسـاكـيـن و بـاعـة

الـبـلـيـلـة و الـحـلـم .

يـسـتـعـيـذ حـنــّـا مـن كـل الـشـيـاطـيـن الـتـي يـعـرفـهـا و التي

لا يـعـرفـهـا .و الـتـي غـادرت الـسـمـاء خـلـف إبـلـيـس

حـيـن قــرّر الـعـصـيـان و الرحيل .

لـقـد عـاد الـصـوت .. هـذا الـصـوت الـلـعـيـن الـذي

يـقـتـحـم كـل أحـلام حـنـّـا و يـعـيـده إلـى هـذا الـواقع

الأسـود .. و يـذكـّـره بالـجـوعـى و الـمـسـاكـيـن . و الفقراء

و الـمـطـحـونين ..و الـذيـن يـنـخـر الـبـرد عـظـامـهـم فـي جنوب

لـبـنـان و فـلـسـطـيـن .. و أطـفـال أفـريـقـيـا الـذيـن لا يـجدون

كـسـرة خـبـز يـأكـلـونـهـا فـي بـدايـة يـومـهـم الـحـــزيـــن .

و يـسـتـحـضـر لـه كـل مـصـائـب الـعـرب الأوّلـيـن و الاّخـريـن ..

و يـدفـع إلـى مـقـدمـة عـقـلـه كـل جـعـجـعـات و أكاذيب زعماء

الـعــرب الـجـربـانـيـن ..ويــُـسـمـعـه بـكـاء و عويل الأطـفـال

فـي الـدويـقـة ودارفور و جـنـيـن .

كـيـف الـسـبـيـل إلـى الـخـلاص مـن هـذا الـصـوت الأتي مـن

أعـمـاق حـنـّـا . خـلاصـاً أبـديـاً , إلـى يـوم الـديـن و إلــى

دهـر الـداهـريـن ؟

ـ أنـا ضـمـيـرك الـذي لـم تـسـتـطـع قـتـلـه أو خـنـقـه . أنـا الخمرة

الـتـي ( تـشـربـهـا لـتـصـحـو مـن خـمـرةٍ غـيـرهـا ) * أنـا

مـراّتــك الـتـي تــُـبـقـيـك فـي عـداد الأحـيـاء يـا حـنـّـا . تـُـبـقـيـك

بـنـي اّّدم حـقـيـقـي .. إنـسـان .. لا جـثــّـة واقـفـة .

ــ حـسـنـاً .. حـسـنـاً .. هـل لـك أن تـخـرس الاّن لـلـحـظـات ؟

يـقـول حـنــّـا بـعـد أن أضـمــر في نفسـه قـراراً نـهـائياً لا رجعة

عـنـه , و هـو أنّ أوّل فـرمـان مـلـكـيّ سيصدره بـعـد أن يـجـلس

عـلـى الـعـرش .. هـو الأمر بـانـتـزاع هـذا الصوت اللعين من

داخله بأيـّـة طريقة .. و وضـعـه فـي زنـزانـة بـاردة لا تصلها

الشمس حـتـى يـفـقـد ذاكـرتـه و تـتــقـطــّع حـبـالـه ( الصوتية ) .

و قـبـل أن يـنـهـي حـنـّـا إعـداد صـيـغـة الفرمان في عـقـلـه .

وقـفـت أمامه سـيـارة طويلة عريضة أطـلـّـت مـن نـافـذتـهـا

فـتـاة رائـعـة الـجـمـال . بـدتْ لـِ حـنـّـا و كـأنـّهـا مـن فـلـول خواجات

الإسـتـعـمـار الـقـديـم . نـظـرت إلـى وجه حـنــّـا الـذيّ تـجـهـّـم

و تـسـمـّـر و أصـبـح كـوجـه سـمـكـةٍ ضـلـّـت طريـقـهـا

و خـرجـت مـن الـمـاء عـن طـريـق الـخـطـأ .و لـمعـت عـيـنـاها

الـجـمـيـلـتـيـن الـكـفـيـلـتـيـن بـإسـقــاط نـسـر ٍ مـن الأعـالـي

بـنـظـرة واحـدة .. و سـألـت حـنـّـا بـصـوت كـأنـه قـادم

مـبـاشـرةً مـن مـجـلـس أبـانـا الـذي فـي الـسـمـاوات :

( مـن أيـن الـطـريـق إلـى " الـكـورال بـيـتـش " لـو سـمـحـت ؟ ) .

ـ أهـذا صـوت .. و ذاك الـصـوت الـلـعـيـن .. صـوت ؟ يـتـسـائـل

حـنـّـا بـيـنـه و بـيـن مـا تـبـقـّـى مـن نـفـسـه الأمـّـارة بالـسـوء

بحسرة .. ــ أبـَـيـتَ الـلـّـعـن ــ و الله إنـه كـالـفـرق بـيـن

صـوت فـيـروز و صـوت مـصـطـفـى قـمـر .

تــُـعـيـد الـفـتـاة الـسـؤال و هـي تـنـظـر إلـى عـيـنـيّ حـنـّـا

مباشرة , لـكـنّ حـنـا شـاردٌ فـي عـالـم اّخـر .. يــفـكــّـر :

ــ هـذا هـو شـعـبـي .. هـذه عـيـّـنـة مـن الـشـعـب الـذي أريـد أن

أكـون مـلـكـاً عـلـيـه ... و قـبـل أن يـهـتـف حـنـّـا في وجهها :

( يـا أيـهـا الـشـعـب الـعـظـيـم )...

يـخـرج ذاك الـصـوت الـلـعـيـن مـن أعماقه مـرّة أخـرى ..

و يـجـيـب عـلـى سـؤال الـفـتـاة بـطـريـقـة رسـمـيـّة :

ــ اذهـبـي فـي هـذا الـطريـق و ضـعـي أمّ الـمـعـارك عـلـى

يـسـارك , ثـمّ اتــبــَـعـي طـريـق الأنــدلـس ــ بـــواتــيــيــه .




حـنــّا الـسـكران




...................................


* قسّ بن ساعدة : أحـد ألمع خطباء و حكماء العرب .

* بـركـلـيـس : أشهر خطباء الإغـريـق

* ( أنتم تشربون الخمرة لـتـسكروا , و أنا أشربها لأصحو

مـن خـمـرةٍ غـيـرهـا ) . للأديب الكبير جبران خليل جبران .


هناك 4 تعليقات:

مصــــري يقول...

ما زال حنـّا في سكره يعلم حكامنا الأجلاف كيف تكون الحياة.

كم هي رائعة خاتمة النص.
أم المعارك والأندلس.

الطريق طويل وشاق.

تسلم يا حنـّا

أسامة

محمد ابراهيم يقول...

هو حنا مصمم ليه علي انه يكون حاكم
هو مفيش غير مهنة الحاكم الي ممكن يشتغلها عشان يصلح احوال الشعب
و بعدين شكل حنا ده بيقنع نفسه انه يصلح لان يكون حاكم و هو يعرف انه لا يصلح
يسلم الاستاذ حنا لشعبه
تحياتي
محمد

santanas يقول...

حلوووووووووووووو يا جو .... بس تفتكر حنا يقدر يصمد اد ايه بين واقع شعبه الجعان والقله من بنات شعبه الجميلات (; وبين صوت ضمبره الحى ........... تحياتى من بلاد الخمره اللى قصدها جبران ...

حـنــّا السكران يقول...

تحياتي أصدقائي

حنـّا ليس كائنا قائما بحدّ ذاته . يطمح و يخطّط .. حنّا هو عدّة أصوات متنافرة متضادّة . كلّ منها يصرخ في برّية و يحاول أن يزجر الصوت الاّخر كي لا يعلو و يسيطر لوحده ..أما إذا اعتبرنا أن حنا كياناً واحدا .. فهو بالتأكيد لا يصلح أن يكون حاكماً ..لأنه طيّب جدا و صادق حتى في أقسى أصواته ..و لو أصبح حاكما .. إن لم يجد من يغتاله خلال أيام .. سيغتال نفسه بصوتٍ مصوّب إلى الرأس مباشرة .. إلى أمّ رأسه .
ـ شكري و امتناني .
و تحية خاصة إلى من تبع خطى جبران .

11