السبت، 28 مارس، 2009

عـلـشـان خـاطـر كـارتــر


كـنـت قـد نـسـيـت الـكـثـيـر مـن الأحـداث الـتـي كـتـب عـنـهـا

وزيـر الـخـارجـيـة الـمـصـري الأسـبـق " مـحـمـد ابـراهـيـم

كـامـل " فـي مـذكـّـراتـه حـول " كـامـب ديـفـيـد " و الـتـي

قـرأتـهـا فـي بـدايـة تـسـعـيـنـات الـقـرن الـمـاضـي . إلـى

أن تـسـنــّـت لـي الـفـرصـة فـي الـفـتـرة الأخـيـرة لـلـغـوص

مـجـدّداً ـ و عـمـيـقـاً هـذه الـمـرّة ـ فـي الـعـديـد مـن الـكـتـب

و الـنـشـرات و الـبـرامـج الـتـي تـتـحـدّث عـن الـمـعـاهـدة

الـمـشـؤومـة , سـواء مـن عـَـرض منهم للأحداث كما هي

بطريقة الـمـذكــّـرات , أو مـن حـلـّـل و نـاقـش أو مـن فــنــّد

و هـاجـم و عـَـَرض حـجــّـتـه الـدامـغـة , أو مـن أيــّــد حـتـى

الـصـراخ , فـي مـحـاولـة لـتـلـمـيـع ذاك الـعـهـد و تـبـيـان عبقريّـته

عـلـى طـريـقـة ( هـنـا شـقـلـبـان , مـحـطـّة إذاعـة حـلاوة زمـان )

و نـسـي أنّ ( الـمـخـبـّي ظـهـر و اسـتـبـان ) .

بـعـيـداً عـن الـنـصـوص , و الـتـي أبـدع الـراحـل الـدكـتـور عـصمت

سـيـف الـدولـة
فـي تـشـريـحـهـا ( و سـلـخ جـلـدهـا ) . و بـعـيـداً

عـن تـوبـة كـارتـر ( و روزالـيـن طـبـعـاً ) و انـتـبـاهـه أخـيـراًً أنّ

سـلامـاً لـم يـحـدث سـوى ذاك السلام بالأيـدي بـيـن بـيـغـن و الرئيس

الـمـؤمـن و بـيـنـه ( السادات سـبـق كـارتـر فـي إلـتـفـاتـه للإيمان و لو

بـالـلقب ) . و بـعـيـداً عـن الـجـدل الـدائـر , و الـذي سـيـظـلّ دائـراً

لـعـقـود , حـول المعاهدة و جـدواهـا و إمـكـانـيـّـة إلـغـائـهـا أو ضرورة

الـتـمـسـّـك بـهـا . أرى أنّ هـذه الـمـعـاهـدة هـي فـريـدة مـن نـوعـهـا

فـي الـتـاريـخ , إذ أنـهـا الـمـعـاهـدة الـوحـيـدة الـتـي تـعـقـدهـا جـهـة

مـع نـفـسـهـا و لـنـفـسـهـا و بـنـفـسـهـا , ثـم تـلـغـيـهـا
و هـي

تـفـاوض عـلـيـهـا و قبل و بـعـد أن تـوقــّـعـهـا , إذ أنّ الـقـارئ لـنـصـوص

هـذه المعاهدة و ملحقاتها و الـمـتـابـع للأحـداث أثـنـاء و بـعـد الـتـوقيع

عـلـيـهـا بـيـن بـيـغـن ـ و بـيـغـن ـ و بـيـغـن . يـلـحـظ أنّ إسـرائـيـل

لـم تــُـنـفــّـذ بـنـداً هـامـاً واحـداً من هـذه المعاهدة , سـوى إعـادة

صـحـراء سـيـنـاء ( صـوريـاً ) كـي تـأخـذ ثـمـن ذلـك نـفـطـاً و غـازاً

و عـبـور مـمـرات بـحـريـّـة و قـطـع يـد ( و لـسـان ) مـصـر ( الرسميّة )

عـن إسـرائـيـل إلى الأبد ( يـُـذكـّـرنـا الـكـاتـب الـرائـع بـلال فـضـل فـي

إحدى محاولاته الدائمة لـنـفـض ذاكـرتـنـا , بـأنّ إسـرائـيـل اشـتـرطـت

عـلـى الحكومة المصرية عقب كامب ديفيد , إيـقـاف بـرنـامج إذاعـي

لـلـكـاتب الكبير محمود عـوض كـان يـفـضـح فـيـه هـذا الكيان العنصري

المسخ ) .

بـحـثـت دون جـدوى عـن أيّ فـائـدة حـقـيـقـيـة عـظـيـمـة لـمـصـر فـي

هـذه المعاهدة فـلـم أجـد , و أنـا أتـكـلــّم عـن مـصـر ( مصر التي في خاطرنا

جميعاً ) أمـّا عـن تـجـنـّـب الحروب إلى الأبد من خلال هـذه المعاهدة .

فالعارف ( و لو بقدر ضئيل ) للنظام المصري السابق و الحالي الـذي

هـو امتداد ( صـنـاعـيّ ) لسابقه , لـم يـكـن سيحارب في يوم من الأيام

و لـم تـكن حـرب تـشـريـن المجيدة الـتـي اسـتـبـسـل فـيـهـا الجندي

المصري و شقيقه السوري سوى مـلـحـمـة شـعـبـيـّـة حـقيقية مـن أروع

مـلاحـم البطولة و التضحية و الفداء , نـعـم , هـي حـرب شعبـيّة في

المقام الأوّل و الأخير , فـذاك الجـندي , ابن هـذا الشعب الـذي كـان

يـغـلـي طـالـبـاً الـثـأر لـكـرامـتـه الـمـهـدورة فـي 67 , كـان

يـتـحـسـّـس زنـاد بـنـدقـيـّـتـه كـبـدويّ يـرى قـاتـل شقيقه أمـام

عـيـنـيـه و لـم يـعـد يـُـطـيـق صـبـراً , كـأنـّـه يـقـول ( لـصـاحـب

الـرأي الأخـيـر ) : إمـّـا أن أطـلـق الـنـار عـلـى عـدوّي الاّن

أو أطـلـق النار عـلـى نـفـسـي و أسـتـريـح , هـذا مـا كـان عليه

حـال الشعب و الجيش ابـن الشعب .و كـان عـلـى القيادة السياسية

أن تـعـلـن الحرب و تـخـوضـهـا وفـق خـطـّـة أو خـطـط , كـان مـنـها

مـا لـم يـكـن مـعـلـومـاً لأحـد سـوى ( لـكـبـيـر الـعـائـلـة ) بـل تـمّ

خـداع القيادة السورية بـإعـطـائـهـم خـطـــّـة ( سـاداتـيـّـة ) وهميّة

كـان مـُـقـرّراً سلفاً أنها لـن تـرى الـنـور , يـقـول الـفـريـق سعـد

الـديـن الشاذلـي رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية و أحـد

أبطال هـذه الحرب ( بـل أبطال العرب ) الشرفاء عـن هـذا الأمـر بـعـد

أن أخبره وزير الحربية أنّ هناك خطة وهمية لن تـُـنـفـذ سـتـعـرض

على السوريين لإقناعهم بدخول الحرب( ثم تركهم وحدهم في المعركة في


النهاية ) :

( لـقـد كـنـت أشـعـر بالإشمئزاز من هـذا الأسلوب الذي يتعامل بـه السياسيون

المصريون مـع إخوتـنا السوريـيـن , لكني لـم أكـنْ لأستطيع أن أبـوح بذلك

للسوريين , و قـد تـردّدت كثيراً و أنا أكـتـب مـذكـّـراتـي , هـل أحـكـي هـذه

القصّة أم لا ,و بـعـد صـراع عـنـيـف بيني و بين نفسي قـرّرت أن أقـولـهـا

كـلـمـة حـقّ لـوجـه الله و الوطن , إنّ الشعوب تـتـعـلـّـم مـن أخطائها , و مـن

حـق الأجيال العربية القادمة أن تـعـرف الـحـقـائـق , مهما كـانت هـذه الحقائق

مـخـجـلـة ) .

لـقـد كـانـت حـرب الـجـيـش و الشعب , و حـرب أخـرى هـي حـرب السادات

وحـده , فـإن انـتـصـر الجيش و الشعب , أخـذ السادات كـلّ المجد

و أصـبـح بـطـل الـحـرب , و مـن ثمّ يـمـكـن لـه أن يـتـمّ مـعـركـتـه

الشخصيّة الحقيقية الأخرى , لـيـصـبـح بطل السلام أيضاً , أمـّا إن

خـسـر الـجـيـش و الشعب في معركتهما ضـد العدوّ , فـسـيـُـلـقـى

الـلـوم عـلـى قـادة الجيش و سـيـذهـب الكثير منهم كـبـش ( أو أكباش )

فـداء عـلـى مـذبـح الـقـائـد الـذي لـم يستطع قـادة جيشه أن يـبـلـغـوا

فـي الميدان عـبـقـريـتـه فـي السياسة . ( كـان الـضـبـاط يـتـهـامسون

بـهـذا الأمـر فيما بينهم و يصفون الوضع على هـذا النحو تماماً و يعلمونه

كما حـدث ـ راجع مـذكرات الشاذلي ) .

تـوقـفـت الحرب حـيـن قـرر لـهـا السادات أن تـتـوقــّـف ( بالنيابة عـن

كـيـسـنـجـر ) , و بـدأت مـعـركـة مـجـد السادات الشخصيّ بالـذهـاب

إلـى كـامب ديفيد و إلى الكنيست الإسرائيلي . و تمـّـت مـعـاهـدة كـامـب

ديـفـيـد تـحـت عـنـوان لـم يـُـعـرض عـلـى الشعب ( العنوان الحقيقي ــ

و لا التفاصيل عـُـرضـت ) و الـعـنـوان الـذي أصـبـح مـتـداولاً عـلـى ألـسـنـة

أعـضـاء الـوفـد المصري في كـامـب ديفيد هو ( عـلـشـان خـاطـر كـارتـر ) .

يـقـول مـحـمـد ابـراهـيـم كـامـل : ( كـلّ شـيء ضـد المصالح العربـيـّة

كـان يـوافـق عـلـيـه السادات و يـُـدرج تـحـت عـنـوان : عـلـشـان خـاطـر

كـارتـر ) . ثـم يـُـضـيـف ابـراهـيـم فـيـمـا بـعـد : ( وقــّـع السادات في النهاية

عـلـى مـا لـم يـكـن يــُـراود الإسرائيليـون حـتـى فـي أحـلامـهـم ) . بـيـنـمـا

قـال السادات بـنـخـوتـه الـعـربـيـّـة ( الـعرب الذين تـنـصـّـل منهم وأصبح

يسخر منهم فيما بـعـد ) : " ســأوقــّـع عـلـى أيّ حـلّ يـرتـضـيـه كـارتـر "

و لا أدري لـمـاذا لـم يـخـطـر للسادات أن يـوقــّـع عـلـى حـلّ يـرتضيه

الشعب المصري . ( ارتضى مجلس الشعب المصري حلّ كارتر فيما بعد

دون أن يعلم عنه شيئاً و دون أن يقرأ صفحة واحدة من نصوص هذه

المعاهدة في مسرحيّة نيابـيـّة عربيّة بـإمتياز ) .

كـان بـيـغـن يـقـف إلـى جـانـب السادات و يـقـول مشيداً بـكـارتـر :

( إنّ الجهد الـذي بـذلـه كـارتـر يـفـوق الـجـهـد الـذي بـذلـه " أجـدادنا "

عـنـدمـا بـنـوا الأهـرامـات ) لـقـد كـان بـيـغـن ( يـبـول ) عـلـى المعاهدة

في نفس اللحظة التي يـحـتـفـل فيها مع كارتر و السادات , فالـذي يـعـرف

الصهاينة جيداً , لا يـمـكـن أن له ( يـُـمـرّر ) كـلـمـة ( أجـدادنـا , الذين

بنوا الإهرامات ) مـرور الـكـرام , و في الحقيقة , أنـا سمعت هـذا الجزء

من كلام بيغن لأوّل مـرّة البارحة في برنامج وثـائقيّ . وكـأنّ بـيغن

يقول للسادات ( الـذي كان يحلو له أن يـتـشـبـّه في مظهره الخارجي

بفرعون من فراعنة مصر و هو يـتـأبـّـط عصاه ) أنّ هـذه الأهرامات

التي يفخر بها الشعب المصري و هـذه الحضارة العريقة , هي حضارتنا

نـحـن .

و رغم أن السادات ( و معاهدته ) تـكـلـّـم كثيراً وقـتها عن الحقوق العربية

و أنّ أيّ سلام لا معنى له إلاّ بـإرجاع كلّ الحقوق العربيّة , إلاّ أنّ بيغن

و بعد يومين فقط من لقاء له مع السادات , أرسـل طـائـراتــه الـ اف 16

إلـى العراق لـتـقـصـف مركز الأبحاث النووي في العراق ( هـذا يـُـذكـّرنا

بـلـقـاء لـيـفـنـي الأخير مع مبارك و أبـو " غـيطـِـهِ " لـتـذهـب بعد

يـومين فقط و تـبـدأ هولوكوست غـزّة ) بـل إنّ بـيغن و هو قـائـد

عملية مجزرة دير ياسين الرهيبة , وقــّـع المعاهدة في ذكرى

هـذه المجزرة و بينما كانت طائراته تقصف منطقة الـدامـور في لبنان .


و كـانـت أثـنـاء أو تـتـبـع مـعـظـم لـقـاءاتهما , عمليّات استيطان و قتل

في فلسطين أو إجتياحات و قصف في لـبـنـان , و كـأنّ السادات في

عالم اّخر لا يرى و لا يسمع عمّا يفعله الصهاينة من حوله . كـان

السادات يعبر بينه و بين نفسه نحو مجده الشخصي كما خـُيـّل له

و الذي أوصله إلى نـوبـل , ثـم إلـى " الـمـنـصــّـة " بما لكلمة ( المنصّة )

من رمـزيــّـة في أدبياتنا المعروفة .( منصّة الشرف أو منصّة الإعدام ) .



لا أدري عـن أيّ حقوق عربيّة كـان يـتـكـلـّـم السادات طوال ذاك الوقت .

يـقـول كـارتـر أنّ بـيـغـن أبـلـغـه أن سيناء ستعود إذا تـعـهـّدت مصر

بـمـدّ إسـرائـيـل بالـنـفـط بـأسـعـار تفضيلية , فـعـرج كـارتـر عـلـى

القاهرة ( مـرقـة طريق ) و أخبر السادات بالأمر و وافق السادات في

الحال , لـيـتــّصـل كارتر هاتفياً بـبـيـغـن و يـخـبـره بـمـوافـقـة مصر

على الشروط الإسرائيلية . ( يقول الخبراء الاّن أنّ مصر تـخـسـر

يـومـيـّـاً 55 مليون جنيه جـرّأء بـيعها للغاز المصري لإسرائيل بهذا

السعر العجيب ) .

كـانـت إسـرائـيـل و لا تـزال , هـي المستفيد الوحيد و النهائي مـن

هـذه المعاهدة , و لـعـلّ أبـلـغ تـعـبـيـر قـيـل يومها بـعـد زيارة السادات

إلى الكنيست , جـاء كـعـنـوان عـلـى صـدر صحيفة التايمز البريطانية

يـقـول : ( وداعـاً لـلـتـضـامـن الـعـربـي ) , و لـعـلّ أكـبر مكسب

لإسرائيل , هـو خـروج مصر بـمـا تـمـثـّـلـه ( حتى و هي ضـعـيـفـة )

مـن المعادلة العربيّة , إلـى الأبـد , و تـحـوّلـهـا ( من خلال هذه المعاهدة )

لـشـرطـيّ كـلّ مـا هـو مسموح له أن يفعله هـو حماية ظهر و ( صـدر )

إسرائيل مـن كـلّ فلسطيني أو عربي ّ يـرفـع بـنـدقيته في وجه هـذا الكيان

العنصري الغاصب و غير الشرعي , أو عـلـى الأقـلّ سـتـقـف عـلـى الحياد

( مـثـل طـنـجـة في زمانها) , مـع أنـّـه وضـح جـلـيـّـاً في الحرب الأخيرة على


غـزّة أن مـصـر غير مسموح لها أن تقف على الحياد أبداً , و إيـّـاك أن يخطر

لك عزيزي القارئ أن معنى ذلك أن الإنحياز المسموح يمكن أن يكون

إلى جانب طرف عربي .

لـقـد ألـغـت إسـرائـيـل هـذه الإتفاقية مـنـذ لحظة توقيعها

بـأن انـتـهـكت كـلّ مـا كـان يتكـلـّم به السادات , عن غزّة

و الضفة و الأراضي العربية و ما إلى ذلك , نـاهيك عـن انتهاكها

للأجواء المصرية عندما تشاء ذلك ( و اّخرها فوق رفح , و ربما

حـلـّقت هذه الطائرات فوق الأراضي المصرية عندما ذهبت لتقصف

قـوافـل داخل الأراضي السودانية قبل أسابيع قليلة ) يحقّ لإسرائيل

كـمـا صـرّح أولمرت أن تذهب إلى أيّ مكان في هذا العالم و تضرب

ما ترى فيه تهديداً و لو بعيد الإحتمال لمصالحها , بينما أصرّ

الإسرائيليون على أن تـتـعهـّد مصر بعدم التوقيع على أي إلتزام

و عدم القيام بـأيّ فعل يعارض اتفاقية كامب ديفيد , و نسي السادات

أنّ هناك اتفاقيات دفاع مشترك بين مصر و الأقطار العربية تتعارض

كليّاً مع هذه المعاهدة , لـكـن الـعـرب كـانـوا اّخـر من يـفـكـّر السادات

بهم , و كـان تفكيره مـنـصـبـّاً على ما يريده " صديقه كارتر " و

" صديقه كيسنجر " و صديقه بيغن " و لـم يـبـقَ عـدوّ للعرب

و لمصالحهم و حقوقهم , إلاّ و أصبح " صديقاً" للرئيس المؤمن .

لـذلك إنّ هـذه المعاهدة لاغية و ملغاة من قبل اسرائيل , و هي تـُـبقي

على شكلها الخارجي لـحـبـس مصر داخل زنزانة كامب ديفيد اللعينة

و من الواضح أنّ هذا الأمر , يـروق للقيادة المصريّة السابقة و الحالية .

أمـّا مـا يـتـشـدّق بـه الاّن الـمـهـلـّـلـون لـلإتفاقية , بـأنّ العرب سـاروا

أخيراً على درب سـابق عصره و زمانه ( السادات ) يجب أن يـُـعملوا

عـقولهم قليلاً لـيـدركـوا المنطق البسيط الذي يقول , أنّ مـا فعله السادات

هـو مـا أوصلنا إلى هـذه الحالة , و أنه لم يكن مطلوباً منه أن يـحـارب

( حتى اّخر جندي مصريّ كما روّج كــَـتــَـبـتـه ) بـل إنّ حالة العداء

وحدها من جانب مصر , كـانـت ستفرض واقعاً اّخـر كـان سيكون أفضل

بـألف مـرّة من هـذا الـواقع المرير , الـذي جعل العرب يذهبون فرادىً

و جماعات إلى كامب ديفيد و أوسلو و ودادي عربة لـيـوّقـعوا اتفاقيات

( علشان خاطر كارتر و خاطر كلينتون و خاطر اولبرايت ) ويـعـودوا لـيـجـدوا

مـسـتـوطـنـات تــُـبـنـى عـلـى الأرض الـتـي اتـفـقـوا البارحة مع

الإسرائيليين على إعادتها لهم . تـلـك الإتفاقيات الـتـي لا تـنـفـع حـتـى

( لـنـقـعـهـا و شـرب مـائـها ) . لأنّ الإسرائيليون عينهم على الأرض

و الماء و الهواء . و عـقـيـدتـهـم راسـخـة , حـتــّى و هـم يـوقــّـعـون

على تلك النصوص الوهميّة , بـأنـهـم , كـمـا قـال بـيـغـن نـفـسـه :

( عن أيّ أرض محـتـلــّة يتحدثون ؟ إنها أرضنا المحرّرة ) .

و لـو عـدت عـزيزي القارئ لـ ( سـِفـر الـتـوبـة عند كـارتـر ــ سلام

لا فصل عنصري ) لـوجـدت الكثير الكثير من عـبـارات : ( لـكـنّ بيغن

لـم يـلـتـزم , لـو أنّ اسـرائـيـل إلـتـزمـت بما اتفقنا عليه , كـان يجب

أن نـأخـذ عليهم كلاماً مكتوبـاً لا شفويّ فقط , لـو , لـكـنّ , لـو )

و هـذا يــُـذكــّـرنـا أيـضـاً بـوديـعـة رابـيـن الـذي تـعـهــّد للسوريين

بـإعـادة الجولان كـامـلاً , فـقـتـلـه الصهاينة , و رفضوا و سيرفضوا

دائماً إخراج عهدته إلى العـلـن , فـقـد تــُـلـيـت عـلـيـه صـلاة اللعنات

( بـولـسـا ديـنـورا ) الـتـي أبـاحـت دمـه لأنـه خـرج عـن عقيدة الصهيونية

( كما يـرون ) و أراد أن يعيد الأرض لأصحابها : ( بـا سـتـدعـاء مـلائـكـة

الـدمـار لـتــُنـزل الـمـوت بـالـمـلـعـون اسـحـق بـن فـلانـة , و إلقاء

كـل لـعـنـات الـتـوراة عـلـى روحـه ) .

و فـي مـكـان ٍ غير بعيد , و فـي زمـان أبـعـد , كـان خـالـد الإسلامبولي

يـتـلـو صـلاةً مختلفة الضجيج , و يـنـزل لـعـنـاتـه عـلـى صـاحـب

كـامب ديفيد , الذي ذهـب و تـرك مـعـاهـدتـه تــُـكــتــّـف مـصـر

بالقدمين و الذراعين إلى أجـل غير مسمّى , و الجدير بذكره هـنـا

و الغريب في اّن , أنّ السادات كـان قـد طـلـب مـن الأمريكيين توفير

حماية شخصيّة لـه في مصر , و قـد فعلوا , مــا حـدا بصحيفة

فرنسيّة لأن تقول بـعـد مقـتله أنّ أصابع السي اّي إي موجودة

في هذا الإغتيال , لأنّ الأمريكيين كانوا من يشرف بالفعل و بشكل

مباشر على الأمن الشخصي لـرجـلـهـم المخلص في القاهرة .





جــو غـانـم


11