قـتـال .. أو يـنـبـري لـك فـي مـيـدان الـكـلـمـة و الـفـكـر و الـعـلـم
لـيـُـذكـّـرك كـل سـاعـة بـأنـه عـدوّك , و بـأنــّـك يـجـب أن تـحـذره
و تـسـتـعـدّ لـه .. و تــُـعـدّ لـه مـا اسـتـطـعـت مـن قـوّة . الـعـدو
الـذي تـعـرف وجـهـه جـيـداً , و لا يـُـخـفـي عـلـيـك أنـه حـاضـرٌ
لأن يـطـعـنـك فـي الـظـهـر أو فـي الـصـدر حـيـن يـسـتـطــيـع إلـى
ذلـك سـبـيـلاً .. هــو عــدوّ جــديــر بالإحـتـرام كـخـصـم ٍ لـدود
مـهـمـا بـلـغ بـطـشـه و وحـشـيــّـتـه . إذا مـا قـارنــّـاه بـأخ أو ابن
عـمّ أو ابـن قـوم ٍ .. كــُــلــّـف بـحـمـايـتـك و الـسـهـر عـلـى راحـتـك
و سـُــلــّـمَ زمـام أمـرك .. لـيـذبـحـك كـلّ يــوم ألـف مـرّة , و حـيـن
لا يـسـتـطـيـع الإجـهـاز عـلـيـك فـي الـسـجـن أو قـتـلـك جـوعـاً
حـيـن يـتـركـك عـاجـزاً عـن كـسـب لـقـمـة عـيـشـك . يـصـل بـه الأمـر
لأنْ يــُـهـيـّـئ لـك ظـروفـاً طـبـيـعــيـّة تــقـتـلـك فـي أبـشـع مـيـتـة .
فـي انـتـقـام فـظـيـع .. لـن تــُـدرك مـعـنـاه و أنـت تــُـسـلـم الـروح .
و لـن تــلــقــى جــوابــاً أخـيـراً عـلـى سـؤال بـقـيـت طـوال عـمـرك
تــسـألـه كـل صـبـاح و مـسـاء : لـمـاذا تــفـعـلـون بـي كـل هـذا ؟
إن كـان الـمـوت حـقّ .. فـالـقـتـل لـيـس حـقــّـاً و لـيـس ســُـنــّـة
مـن سـُـنـن الـحـيـاة و الأديـان .. و لـيـس عـُـرفـاً احـتـرمـتـه الناس
مـنـذ الأزل .. فـالـقـاتـل وحـش .. و الـوحـش لا حـقّ عـنـده و لا
سـنـّة و لا عــُـرف .. و هـنـاك طـرق كـثـيـرة لـلـقـتـل .. أبـسـطـهـا
الـقـتـل بالـيـد مـبـاشـرة .. و أفـظـعـهـا .. الـقـتـل الـبـطـيء بالـتـدريـج
و الـذي يـنـتـهـي بـيـن فـكــّـي سـمـكـة قـرش لا ذنـب لـهـا فـي
الـجـريـمـة .. أو تــحـت صـخـرة لا تـعـي و لا تـسـتـطـيـع ردع
نـفـسـهـا .
إنّ عـدو كـإســرائـيـل .. يــُـعـلـن دائـمـاً عـلـى الـمـلأ .. أنـه فـي
حـرب بـقـاء و وجـود مـع مـن يـعـتـبـرهـم أعـداء .. هـذا الـعـدو
يــتــصــرّف كـوحـش أعـمـى حـيـن يـقـتـل .. فـمـنـذ قـبـيـة و بـحـر
الـبـقـر . إلـى صـبـر و شـاتـيـلا و قـانـا و أخـواتـهـا .. وصـولاً
إلـى حـرب الإبـادة الـجـمـاعـيـة فـي غـزّة الاّن .. دأب هـذا الـوحش
عـلـى حـصـد قـتـلاه دون إنـتـقـاء أو اسـتـثـنـاء .. و كـان كـل
ضـحـايـاه يـعـرفـونـه جـيـداً و لا يــتـوقــّـعـون مـنـه سـوى الـقـتل
و الإجـرام .
أمـّـا مـا يـحـدث فـي الـكـثـيـر مـن بـلـدانـنـا الـعـربـيـة , فـهـو
قـتـل انـتـقـائـيّ نــوعــيّ تــقــوم بـه مـجـمـوعـات لـم تـقـــُـلْ
لـنـا يـومـاً أن بـيـنـهـا و بـيـنـنـا عـداوة أو ثـأر قـديـم .. تـقـتـل
بـطـريـقـة بـشـعـة و صـعـبـة الـتـصـديـق .. دون أن تـــُدرك
الـضـحـيــّـة ( بـأيّ ذنــب ٍ قــُـتـلــت ْ ) .
و الـقـتـل الإنــتـقـائـي الـنـَـوعـي .. لا يـمـكـن أن يـقـوم بـه
وحـش يـتـصـرّف بـغـريـزتــه .. بـل قـاتــلٌ يــنـتـقـي ضحيـّتـه
بـهـدوء و عـن سـابـق إصـرار و تـصـمـيـم . و هـذا الـقـاتـل
هـو أخـطـر الـوحـوش عـلـى الإطـلاق . لأنـه يــدرك و يـعـي
و يـسـتـمـتـع بـمـا يـفـعـل دون أن يـرفّ لـه جـفـن ..و دون أن
يــكـون فـي حـرب بـقـاء و وجـود مـع أحـد .. بـل يــُـخـيـّل لـك
أنــه يــقــتــل لـلـمـتـعـة فـقـط .. كـصـيــّـاد يـهـوى رؤيـة فـرائسه
تـتـهـاوى أمـامـه . فـيـنـتـشـي .
و الــنــَـوع هـنـا واضـح تـمـامـاً .. لا لـَـبـس فـيـه ... و هـو
الـفـقـيـر الـعـربـي , الــذي شــُــنــّـت عـلـيـه حـرب إبــادة , لا
يــعـلـم لـهـا سـبـبـاً . ســوى أنّ هـنـالـك مـن يــريــد تــنــظـيـف الأرض
مـن الـفـقـراء .. لــتـصـبـح الـحـيـاة أكـثـر جـمـالاً فـي عـيـنـيـه .
الـفـرق الاّخـر بـيـن الـعـدو الأوّل و الـعـدو الـثـانـي . هـو
أنّ الأول يـقـتـلـك و يـرقـص فــوق قـبـرك رقـصـة الـنـصـر .
و يـكـون قـد تــرك لـك كـل الـوقــت . طـوال حـيـاتـك لـتـتـوقــّع
هـذه الـنـهـايـة و تــتــهـيـــّــأ لـهـا كـشـهـيـد مـات مـبـتـسـمـاً
حـيـن حـاول و لـم يـسـتـطـع الإنـتـصـار .
أمـا الـعـدو الـثـانـي فــيــُـجـهـز عـلـيـك بــِـطـرق لـم تـتـّـوقـعـهـا
أبـداً .. ثـم يـأتـي لـيـبـكـي فـوق قـبـرك , بـكـاء الـنـسـاء
الـثـكـالـى , لـيـقـبـض ثـمـن مـوتــك بـعـد قـلـيـل .
هــذا الـعـدو .. هـو أجـبـن و أوســخ أنــواع الـقـتـلــة عـلـى
الإطــلاق .
إنّ الـذيــن يـنـامـون الاّن بـهـدوء تــحــت صـخـور جـبـل الـمـقـطـّم
هـم شـهـداء قــُـتـلـوا غـدراً و غـيـلـة ً .. لـم تـــُـتـرك لـهـم فـرصــة
لـمـواجـهـة قـاتـلـهـم .. و لـم يــُـدركـوا أن عـلـيـهـم الإسـتـعـداد
لـحـرب قـادمــة قــد يــُـقــتـلـون فـيـهـا .. هـؤلاء كـانـوا مـؤمـنـيـن
أنّ الــعــدو وراء الـحـدود .. و أمــامــه مـصـريـيـن كـثـر سـيـمـنـعـوه
مـن الـوصـول إلـى الـمـقـطــّـم ..
هـؤلاء لـم يـروا فـي الـصـخـر عـدوّاً فـي يـوم مـن الأيـام . بـل
ربـمـا عـقـدوا صـداقـات صـامـتـة مـع تـلـك الـصـخـور الـتـي
شـهـدت ذكـريـاتـهـم .. و ربـمـا كـانوا يـجـلـسـون فـوقـهـا ويحلمون
بالهـرب مـن وجـه كـل هـذا الـقـهـر .. و الإخـتـفـاء بـهـدوء كـمـا
اخـتـفـى طـانـيـوس .
لـكـنـهم لـم يـنـتـبـهـوا أن وراء الـصـخـرة قــاتـــل يــدفـعـهـا
بـاتـجـاهـهـم شـيـئـاً فـشـيـئـاً .. كـي يـتــّـهـمـهـا بالـقـتـل فـيـمـا
بـعـد . و كـي يــُـسـجـّـل الـقـضـيـّـة ضــدّ صــخــرة .. بـعـد
أن ســجــّـلـهـا ضــدّ بــحــر ٍ فـي الـمـرة الـسـابـقـــة .
فـي الـمـرّة الـقـادمـة .. سـتـكـون الـقـضـيـّـة ضـدّ الـسـمـاء .
ــ لـلـنـائـمـيـن تـحـت جـبـل الـمـقـطـّـم .. أنـحـنـي بـخـشـوع
و أقــول لـهـم :
تــُـصـبـحـون عـلـى وطـن .

