مـا بـين حـريـق مـصـر الـبـارحـة , و تـراجـع السلـفـيـيـن في لـبنان
عـن تفاهـمهم مع حـزب الله , و الـذي يـنـصّ على العـيش المشترك
و الـوقـوف في وجه الـفـتـنـة .. أعـتـرف أنـي أكـاد أصـاب بـذبـحـة ٍ
إنـسـانـيـة .. و هـي أكـثـر خـطـورة مـن الـذبـحـة الـقـلـبـيـة بكثير .
و بـالـمـنـاسـبـة .. أنـا أعـنـي مـصـطـلـح " حـريـق مـصـر " كـمـا
هـو , فـالأمـر كـمـا أراه و أفـهـمـه يـتـجـاوز بـمـراحـل عـدّة , مـسـألـة
حـريـق مـبـنـى الـشـورى و مـا حـولـه .
تـيــّـار الـمـسـتـقـبـل ( مـع تــحــّـفـظي الـتـام و النهائي على التـسـمـيـة )
يـشـبـه إلـى درجـة الـتـطـابـق , الـنـظـام الـمـصـري و مـعـظـم إن لـم يـكـن
كـل الأنـظـمـة الـعـربـيـة الـقـائـمـة .
هـذه الأنـظـمـة و الـتـيـارات .. لـهـا مـشـروع واحد و وحـيـد , هـو مـشـروع
الـسـلـطـة . فـقـط لا غـيـر . لا تـمـلـك مـشـاريـع بـنـاء و علم وتـطـويـر أو
مـقـاومـة و مـواجـهـة مـع أي عـدو خـارجي حـتـى لـو دخـل هـذا الـعـدو
و وصـل إلـى الـعـاصـمـة سـتـكـون هـذه الأنـظـمـة و الـتـيـارات مـسـتـعـدة
دائـما ً لإيـجـاد الـقـواسـم الـمـشـتـركـة معه و مع أي قـوة تــضـمن لـهـا
الـسـلطـة .
الـنـاظـر إلـى " الـبـدلـة " الـتـي يـلـبـسـهـا تـيـار الـمـسـتـقـبـل . سـيـُـخـيّـل
إليه مـبـاشـرة أن هـذا الـتـيـار عـلـمـانـي بـحـت لا يـقـبـل الـعـودة إلـى الـوراء
خـطـوة واحـدة . بـل جـلّ هـمـّـه مـنـصـبّ عـلـى الـمـسـتـقـبـل الـمـشـرق الـذي
يــعــِـد بالـخـيـر و الـحـيـاة الـكـريـمـة الاّتــيــة عـلـى يـد الـشـيـخ .
و مـصـطـلـح " الـشـيـخ " فـي لـبـنـان , لا يــُـطـلـق عـلـى رجـال الـديـن
الـمـسـلـمـيـن فـقـط . بــل عـلـى الأثــريــاء و سـلـيـلـي الإقـطـاع الـمـالـي
و الـسـيـاسـي و كـل صـاحـب ثـروة مـفـاجـئـة من كل الأديان و الطوائف .
فـسـعـد الـحـريـري شـيـخ . كـذلـك أمـيـن الـجـمـيــّـل شـيـخ . و بـيـن هـذا
الـشـيـخ و ذاك . هـنـالـك مـشـايـخ ديـن و قـسـاوسـة يــرســّـخـون سـلـطـة
الـشـيـخ و يـضـفـون عـلـيـهـا صـبـغـة تــتــجـاوز الـديـن و الـمـال لـتـصـبـح
أقـرب إلـى الـتـفـويـض الـسـمـاوي الـذي يـجـعـل هـذا الـشـيـخ عـلـى حـقّ
دائـمـا ً حـتـى لـو تــمّ الـقـبـض عـلـيـه مـخـمـورا تـحـت قـدمـيّ عـاهـرة .
الـشـيـخ ذنـبـه مـغـفـور دائـمـا ً لأنـه هـو مـن يـمـنـح صـكـوك الـغـفـران
و هـو وحـده مـن لا سـلـطـة أرضـيـّة أو سـمـاويـة عـلـيـه .. حـتـى عندما
يـمـوت .. يـتـحـوّل إلـى قـدّيـس مـن طـراز فـريـد قد يـبـدو " مـار شـربـل "
و " الـخـضـر أبـو العبـّاس" تـلامـيـذاً في صومعته .. لأنـه سـيـتـحـوّل
بالـضـرورة إلـى مـسـيـح جـديـد اخـتـار أن يــُـصـلـب فــداءً لـلـبـشـريــّـة
الـمـعــذّبــة .. نـعـم اخـتـار . فـهـو بـنـظـر أتـبـاعـه , كـان قـادرا ً عـلـى
الـبـقـاء حـيـّـاً لألـفـيّ سـنـة قـادمـة لـكـنــه فــضـــّـل أن يـمـوت كـي
تــحـيـا الـرعـيــّــة .
و هـو مـن حـقــّـه أن يـبـدو عـلـمـانـيـّـا ً و يـرفـع شـعـارات من قبيل :
( نـحـن نـحـب الـحـيـاة ) فـي وجـه مـن يـقـاوم اسـرائـيـل و الـذي يـصـبـح
بـشـكـل بـديـهـي , فـي الـجـهـة الـمـقـابـلـة لـمـحـبـّـي الـحـيـاة , أي هـو
صـاحـب ( ثــقــافـة الـمـوت ) .
و مـن حـقــّـه فـي نـفـس الـسـاعـة , أن يــتـحـالـف مـع أعـتـى عـتـاة
الـسـلـفـيـيـن . و الـسـلـف يـعـنـي أحـد مـا مـن الـمـاضـي الـسـحـيـق .
الـمـعـاكـس و الـمـتـنـاقـض تـمـامـا ً مـع " الـمـسـتـقـبـل " ..
إذن هـو " مـســتــقـبـل " و " عـلـمـانـي " و مـحـبّ لـلـحـيـاة " و " سـلـفـيّ "
و " مــُـعـاد ٍ لـمـقـاومـة اسـرائـيـل " و "مـتـحـالـف مـع أمـريـكـا الـتـي
يــدّعـي الـسـلـفـيـيـن أنـهـا عـدوّتـهـم ". فـي اّن واحـد . و يــُـخـيـّـل لـه
أنــه يـســتــطـيـع إقــنــاعـك أنـه عـلـى حـق حـتـى لـو جـمـع تـنـاقـضـات
الـدنـيـا كـلـهـا فـي ســلـــّـة واحــدة . لأنّ أمـر إقـنـاعـك ( بـرأيـه ) لا يـحـتـاج
عـقـل و مـنـطـق , بـل يـحـتـاج حـفـنـة دولارات , و هـي مـتـوفــّرة بـكـثـرة .
و يـحـتـاج أيـضـاً لـعـباءة رجـل ديـن تـسـتـطـيـع إقـنـاع مـن لا يـُشـرى بالمال.
إذا كـان الـسـلـفـيـيـن فـي لـبـنـان يــتـلـقــّـون أوامـرهـم مـن تـيـار المستقبل
فـهـذا يــُـوصـل إلـى نـتـيـجـتـيـن , إمـّـا أن تـيـار الـمـسـتـقـبـل هـو فـي
الـحـقـيـقـة تــيــار سـلـفـي و هـو بالـتـالـي يـخـدع حـلـفـائـه مـن الـعـلـمـانـيـيـن .
أو أنّ الـسـلـفـيـيـن فـي لـبـنـان يــتــبـعـون جـهـة عـلـمـانـيــّة هـي تــيــار
الـمـسـتـقـبـل . و بالـتـالـي هـم عـلـمـانـيـون و يـخـدعـون الـسـلـف الـذي
يــدّعـون أنـهـم يـمـشـون عـلـى خـطـاه , و يـخـدعـون أتـبـاعـهـم و مريديهم .
أجـزم , بــل أتـــحــدّى كـل مــُـنــظــّري تــيــار الـمـسـتـقـبـل أن يـكـون أحـدا ً
مـنـهـم يـفـهـم شـيـئـا ً مـن هـذه الـمـُـعـادلــة .
أمـا هـؤلاء الـسـلـفـيـيـن .. فـلا يـمـكـن الـدخـول مـعـهم فـي تــحــدّ .. فـهـم
مـنـتـصـرون عـلـيـك لا مـحـالـة , عـمـلاً بـقـول الإمـام عـلـيّ بـن أبـي طـالـب
" مـا جـادلــت جـاهـلاً إلا و غـلـبـنـي " .
ـ هـنـاك وثـيقـة تـفـاهـم تـقـول أنـنـا : جـمـيـعـاً أخـوة فـي هـذا الـوطـن
لـكـم مـا لـنـا و عـلـيـكـم مـا عـلـيـنـا , نـلـتـزم بـعـدم اعـتـداء طـرف عـلـى الاّخـر
و عـمـل كـل مـا يـمـكـن عـمـلـه مـن أجـل الـتـقـارب و الـعـيـش بـسـلام و مـحـبـّـة .
و الـوقـوف مـعـا ً فـي وجـه أيّ فـتـنـة قـد تــُـطـلّ يـرأسـهـا , و مـتـفـقـون أن في
الـفـتـنـة وبـالٌ عـلـيـنـا جـمـيـعـا ً و قـد تــذهـب بـهـذا الـوطـن إلـى الـهـاويـة .
هـل يـحـتـاج هـذا الـكـلام إلـى إعـادة الـنـظـر فـيـه ؟؟؟؟
و الـغـريـب أنّ الـسـلـفـيـيـن هـم مـن طـلـب التوقـيـع و أصـرّ عـلـيـه .
و حـزب الله وافـق فـوراً لـطـمـأنـتـهـم .
إذن .. لـمـاذا الـنـكـث بالـعـهـد و لـم يـجـفّ حـبـره بـعـد ؟؟
حـسـنـا ً .. أنـا بـشـخـصـي الـفـقـيـر الـمـتـواضـع سـأقـتـرح صـيـغـة تـفـاهـم
و أعـرضـهـا هـنـا , و أتــمـنــّـى مـن كـلّ مـتـطـرفـيّ الـطـوائـف الإسـلامـيـة
الأخـذ بـهـا . كـما أتـمـنـى مـن كـل الـذيـن تـجــود قـريـحـتـهـم الـطـائـفـيـة
الاّن مـن مـسـلـمـيـن و مـسـيـحـيـيـن .. في كل بـلاد الـعـرب ,ليس فـقـط في لبنان .
بـــل خـصـوصـاً مـا نسمعه فـي مـصـر هـذه الأيـام مـن أصـوات لا شــغـل لـهـا سـوى
حـديـث الـفـتـنـة و الـتـفـريـق بـيـن مـسـلـم و مـسـيـحـي حـتـى فـي مـُـسـلــّمـات ٍ
إنـسـانـيـة بـديـهـيــّـة لـم يـتـجـرّأ أجـهـل جـهـلاء الـبـلـدان الأخـرى عـلـى الـتـطرّق
لـهـا , كـأمـر نـقـل الـدم و الأعـضـاء بـيـن الـمـرضـى عـلـى أسـاسـي طـائـفـي .
و هـذا ســَـبـَـق ٌ لـم يـخـطـر فـي بـال هـتـلـر نـفـسـه ..كـل هـؤلاء الأدعـيـاء الـعـنـصريين
الـطـائـفـيـيـن . أضـع بـيـن يـديـهـم هـذه الـوثـيـقـة و أدعـوهـم لـلأخـذ بـهـا كـمـا هـي .
هـذه لـيـسـت صـيـغـة فـريـدة أو صحيحة , بـل هـي صـيـغـة تــُـعـبــّـر عـن الـواقـع
و مـّـا فـي الـنـفـوس , بـعـيـدا ً عـن الـكـلام الـجـمـيـل الـمـُـنـمــّـق الـذي يـحـتـاج
دائـمـا لإعـادة الـنـظـر فـيـه .
لأن هـؤلاء يـسـتـكـثـرون عـلـى أنـفـسـهـم , كـلـمـة جـمـيـلة أو دعـوة بالتي
هـي أحـسـن . ولا تـرتـاح ضـمـائـرهـم لأيّ نـص لـيـس فـيـه تـكـفـيـر و إلـغـاء
و عـنـصـريــّـة طـائـفـيـّـة و تـحـقـيـر للاّخــر .
تــقــول صـيـغـة الــتـفـاهـم الـمـُـقـتـرحـة :
( نــحـن الــمــُـوقـعـون أدنـاه و الـمـمـثـلـون لـلـطـوائـف الـمـذكـورة فـي
ذيـل هـذا الـخـطـاب . نـعـتـرف هـنـا بـصـدق و أمـانـة أن كـل طـرف مـنـّـا
يـنـظـر لـلاّخـر بـعـيـن الـكـره و الـحـقـد و يــتـمـنـّـى فـنـاءه عـن سـطـح
الأرض الاّن قـبـل الـغـد . كـمـا أنّ كـلّ مـنـّـا يـعـتـبـر الاّخـر كـافـر زنـديـق
وخـنـزيـر عـلـى هـيـئـة بـشـري ّ .. ولأنـنـا عـجـزنـا تـمـامـا ً عـن الـقـضـاء
عـلـى بـعـضـنـا الـبـعـض لأسـبـاب نـجـهـلـهـا جـمـيـعـا ً رغـم أنـنـا لـم
نــوفــّـر جـهـداً فـي سـبـيـل ذلـك مـنـذ أكـثـر مـن ألـف عـام حـتـى الاّن .
و لأن كـل كـرهـنـا و مـؤامـراتـنـا و دسـائـســنــا لـم تــُـجــد ِ نـفـعـا ً .
لـذلـك ارتـأيـنـا الاّن أن نـعـقـد هـدنـة و وثـيـقـة عـدم اعـتـداء مـؤقـتـة .
و أن نـعـيـش بـسـلام فـي أوطـانـنـا , لا يـتـدخـّـل أحـدنـا في شؤون الاّخـر .
و أن نــُـبـقـي الـكـُـره فـي الـقـلـوب و نـواظـب عـلـى اسـتـذكـاره بـعـد
كـل صــلاة , كـي لا يــُـمـحـى تــراثـنـا و كـي لا يـكـون وجـودنـا عـلـى
هـذه الأرض ضـربـا ً مـن الـعـبـث . و لأنـنـا جـمـيـعـاً لا نـسـتـطـيـع
الـمـحـافـظـة عـلـى عـقـائـدنـا و أديـانـنـا دون حـقـد عـلـى الاّخـر , لـذلـك
سيـكـون الـحـقـد شـأن ٌ داخـلـي فـي كـلّ طـائـفـة . تــتــكـفــّـل هـذه الـوثـيـقـة
بـعـدم إشـهـاره فـي وجـه الـغـيـر , و عـدم مـمـارسـتـه كـواقـع مـُـعـاش
بـيـن أبـنـاء الـوطـن الـواحـد . إلـى أن يـأتـي يـوم تـسـتـطـيـع فـيـه
طـائـفـة مـنــّـا سـحـق كـل الـطـوائــف الأخـرى بـطـرفـة عـيـن , و تـرث َ
وحـدهـا الأرض بـعـد ذلـك ... و عـلـى هـذا نــُـوقــّـع .. مـع خـالـص
حـقـدنـا ) .
و بـعـد الـتـوقـيـع .. يـجـب أخـذ تــعــهــّـد مـن الـجـمـيـع عـلـى عـدم
الـكـذب و الـنـفـاق عـلـى الـشـاشـات و أمـام الـنـاس بـكـلام مـن قـبـيـل :
" كـلـنـا أخـوة , و نـحـن نـحـتـرم الاّخـر و نـقـبـلـه , و الله أوصـانـا
بـفـلان و فلان و بـكـذا و كـذا . و أنّ ديـنـنـا ــ أيــّـا ً كـان ــ هـو ديـن
سـلام و مـحـبـة .. و مـا إلـى ذلـك مـن الـكـلام الـذي لا يــُـصـرف
عـلـى أرض الـواقـع و لا يـسـاوي فـي قـلـوب أصـحـابـه ( مـنْ هـؤلاء )
ثـمـن الـحـبـر الـذي كـُـتـب بـه أو جدوى الـسـعـرات الـحـراريـة الـتـي صـُرفـت ْ
أثـنـاء قـولـه . و كـلّ مـن يــُـردّد هـذا الـكـلام مـن زعـمـاء و رجال ديـن متطرفين
من هـذه الـطـوائـف .. سـيـقـام عـلـيـه الـحـدّ , و ســيــُـوضـع عـلـى الـخـازوق .
و حــبـّـذا حـيـن يـريـد أحـدكـم أن يـذكـر الـطـوائـف أو الأديـان الأخـرى أن
يـكـون صـادقـا ً و يـقـول : نـحـن نـكـره أولاد الـعـاهـرة هـؤلاء لـكـنـنـا
الاّن مـلـتـزمـون بـوثـيـقـة الـهـدنـة و عـدم الإقــتـتــال .
ــ مـن نـاحـيـة أخـرى , إنّ حـريـق مـصـر الـذي يـشـبـه حـريـق لـبـنـان الـسـلـفـيّ .
و مـرتـبـط بـه ارتـبـاط وثـيـق .. فـالـمـشـروع واحـد و إن اخـتـلـف نـوع عود الثقاب .
هـو دَيــن فـي رقـبـة أصـحـابـه . ســيــدفـعـونـه عـاجـلاً أم اّجـلاً كـمـا دفـعـه مـن
قـبـل كـل الـطـغـاة و المجرمين .. إنّ بـلـداً يــُـوضــَـع تــحــت رحـمــة تــجــار
الــمــال و الـسـيـاسـة و تـــجــّـار الــديــن .. لــن يــصــل ســوى إلـى الـمـحـرقـة .
لـقـد بـدأ هـؤلاء مـحـرقـتـهـم الـتـي سـتـأخـذهـم فـي طـريـقـهـا قـريـبـاً .
تـمـامـاً كـمـا بـدأت بـعـض الـتـيـارات في لـبـنـان مـحـرقـتـهـا حـيـن اسـتـخـدمـت
عـود الـثـقـاب الـسـلـفـيّ الـتـكـفـيـري الـذي إن لـم يـجـد مـا يـحـرقـه .
يـحـرق بـعـضـه .
و الــنــار تــأكــل نـفـسـهـا ... إن ْ لـم تـــجــد مــا تــأكــلـــه .
" جــو غـانـم "


